كتاب تدبير المتوحد لابن باجه الاندلسى (المتوفى 533 ه'.)

اشاره:

ابن باجه, ابوبكر محمد بن يحيى الصائغ التجيبى, فيلسوف و دولت مرد دانشمند اندلسى در 533 ه'. در شهر فاس مغرب در گذشت است. ابن اصيبعه روايت كرده كه وى در جوانى از دنيا رفته است. احتمالا سال تولد او حدود سال 478 بوده است. مدتى وزارت ابن تفلويت را بر عهده داشت و به هنگامى كه به سفارت نزد عماد الدوله رفت دستگير و زندانى شد. مشهور است كه وى را با زهر از پاى در آورده اند. ابن باجه را نخستين فيلسوف در غرب عالم اسلامى كه راه را براى بزرگانى چون ابن طفيل, ابن رشد و ابن خلدون گشوده است, به حساب آورده اند.
ابن باجه بر نوشته هاى ارسطو و فارابى حاشيه نوشته و از خود نيز آثارى به جاى گذاشته است كه اثر ناتمام تدبير المتوحد از مهم ترينآنهاست. فلسفه سياسى وى را بايد استمرار فلسفه سياسى فارابى داشت. ابن باجه فيلسوفى است كه سياست را اصيل و انسان را مدنى بالطبع مى داند و اگر به ((متوحد)) پيشنهاد كناره گيرى يا مهاجرت از برخى نظام هاى سياسى فاسد و مردم آن, از آن روست كه در شرايط ناگوار امور ناپسند بالعرض خوب مى شود. موضوع محورى رساله حاضر بيان وظيفه و تكليف انسانى است كه امكان دسترسى به نظام شايسته را ندارد و ناگزير به زندگى در مدينه فاسد است.
در نظر ابن باجه شهر كامل ((مدينه اماميه)) است و مدينه هاى جاهل, فاسق, متبدل و ضاله چهار نظام سياسى منحرف و بد به حساب مىآيند. وى به مناسبت از اوصاف نظام هاى سياسى زشت و زيبا نيز سخن گفته است.
ابن باجه آدمى را با جماد و گياه و حيوان در امورى شريك مى داند, اما معتقد است وجه امتياز انسان از ساير موجودات در نيروى انديشگى و تفكر او از يك سو, و برخوردارى او از نيروى اراده و اختيار, از سوى ديگر است و اختيار آدمى را در كردارهايى متجلى مى داند كه برخاسته از انديشه و مسبوق به آن باشد. وى همچون فارابى اصالت انسان را به خرد او و سعادت او را در گرو فعاليت عقلانى او مى داند و با كسانى كه خرد ستيز بودند, يا آن را كوچك مى شمردند هم سخن نيست.
براى مطالعه درباره زندگى, زمانه و انديشه ابن باجه منابع زير مناسب است: دائره المعارف بزرگ اسلامى (جلد سوم) مقدمه رساله تدبيرالمتوحد و آيين و انديشه در دام خود كامگى.1 در اين جا متن رساله تدبير المتوحد را با حذف مقدمه مصحح و نيز حذف پاورقى ها, كه در آنها اختلاف نسخه ها ياد آورى شده است, مى خوانيم.

الباب الاول

و من كلامه رضى الله عنه فى تدبير المتوحد.

قال إبوبكر بن الصائغ رحمه الله:
لفظه التدبير فى لسان العرب تقال على معان كثيره قد إحصاها اهل لسانهم, و إشهر دلالاتها بالجمله على ترتيب إفعال نحو غايه مقصوده. فلذلك لايطلقونها على من فعل فعلا واحدا يقصد به غايه ما. فان من اعتقد فى ذلك الفعل انه واحد لم يطلق عليه التدبير, و اما من اعتقد فيه انه كثير و اخذه من حيث هو ذو ترتيب سمى ذلك الترتيب تدبيرا, و لذلك يطلقون على الاله انه مدبر العالم. و هذا قد يكون بالقوه و قد يكون بالفعل, و لفظه التدبير دلالتها على ما بالقوه إكثر و إشهر.
و بين إن الترتيب اذا كان فى إمور بالقوه فانما يكون ذلك بالفكر, فان هذا مختص بالفكر و لايمكن إن يوجد الا فيه; و لذلك لايمكن إن يوجد الا للانسان فقط, و ما يقال عليه المدبر فانما هو للتشبيه به. فالتدبير مقول بتقديم و تإخير, و قد يقال التدبير على ايجاد هذا الترتيب على جهه ما هو متكون, و هو فى إفعال الانسان إكثر و إظهر, و فى إفعال الحيوان غيرالناطق إقل ذلك. و اذا قيل التدبير على هذا النحو فقد يقال بعموم و خصوص, و اذا قيل بعموم قيل فى كل إفعال الانسان كيف كانت, فذلك يقال فى المهن و كذلك يقال فى القوى, الا انه فى القوى اكثر و اشهر. و لذلك يقال فى ترتيب الامور الحربيه و لايكاد يقال فى صناعه السكافه و الحياكه, و اذا قيل على هذا الوجه فقد يقال إيضا بعموم آخر و خصوص, و اذا قيل بعموم قيل فى كل الافعال التى تشتمل عليها الصنايع التى تسمى بالقوى, و قد لخصته فى العلم المدنى. و اذا قيل بخصوص قيل على تدبير المدن. و ما يقال عليه التدبير يتقدم بعضه بعضا بالشرف و الكمال. و إشرف الامور التى يقال عليها التدبير المدن و تدبير المنزل, و قل ما يطلق عليه التدبير حتى يقال تدبير المنزل بردف و تقييد. فاما تدبير الحرب و ساير ذلك فهى إجزإ لهذين النوعين.
فاما تدبير الاله للعالم فانما هو تدبير بوجه آخر بعيد النسبه عن إقرب المعانى تشبها به, و هذا هو التدبير المطلق و هو إشرفها, لانه انما قيل له تدبير للشبه المظنون بينه و بين ايجاد الاله تعالى العالم. و بين ان هذا الصنف من الاسمإ المشككه إبعد اصناف المشككه عن التواطو, و يكاد إن يكون مشتركا اشتراكا محضا, فالجمهور يقولونه بتشكيك و اما الفلاسفه فيقولونه باشتراك محض, انما يعدونه فى المشككه بإن يكون فى شىء انه شبيه شىء فنسميه باسم ذلك الشىء. و هذا الصنف لم يلخص فى الاسمإ المشككه لقلته, و لذلك لايردف الجمهور على تدبير الاله بالصواب فيقولون فى تدبيره العالم انه تدبير صواب, و يقولون انه تدبير محكم و متقن و ما جانس هذه الالفاظ. فان هذه الالفاظ تتضمن وجود الصواب و شيئا آخر شريف زايد له; فان الفعل الصواب عند الجمهور كالجنس للفعل المتقن و المحكم, و تلخيص هذا فى غير هذا الموضع.
و التدبير اذا قيل على الاطلاق كما قلناه, دل على تدبير المدن إو قيل بتقييد فانه ينقسم بالصواب و الخطإ. و قد يظن ان التدبير قد يعرى من هذين المتقابلين, و اذا فحص عنه و تعقب ظهر ان هذين المتقابلين يلزمانه ضروره. و تعقب ذلك قريب على من كان له ادنى وقوف على الفلسفه المدنيه. فالصنفان اللذان يخصان باسم التدبير قد ينقسمان الى الصواب و الخطإ.
فاما تدبير المدن فقد بين إمره فلاطن فى السياسه المدنيه, و بين ما معنى الصواب فيه و من اين يلحقه الخطإ, و تكلف القول فيما قد قيل فيه, فاحكم فضلا إو جهلا إو شراره. و اما تدبير المنزل, فان المنزل بما هو منزل, فهو جزء مدينه. و بين هناك إن ذلك المنزل الطباعى هو للانسان فقط, و بين إن الوجود الافضل لما هو جزء هو وجوده جزءا, و لذلك[ لم]يجعل جزءا من الصناعه المدنيه تدبير المنزل, اذ كان ذلك قد قيل فى صناعه المدنيه, و بين هناك ما المنزل و كيف وجوده, فان وجوده الافضل إن يكون مشتركا, و كيف صفه اشتراكه. و اما المنزل فى غيرالمدينه الفاضله, و هو فى المدن الاربع التى عدت, فان المنزل فيها وجوده ناقص و ان فيه امرا خارجا عن الطبع, و ان ذلك المنزل فقط هو الكامل الذى لاتمكن فيه زياده الا تعود نقصا كالاصبع السادسه فان المحكم هذا خاصته ان الزياده فيه نقصان, و ان سائر المنازل ناقص بالاضافه اليه و مريضه, لان الاحوال التى تباين بها المنزل الفاضل تودى الى هلاك المنزل و بواره, و لذلك تشبه المرضى.
و القوى فى تدبير هذه المنازل الناقصه ـ و هى المرضى ـ قد تكلف قوم القول فيه, و من بلغتنا كتبهم فى تدبير المنزل فإقاويلهم بلاغيه. و بين مما قلناه إن المنازل, ما عدا المنزل الفاضل, مرضى و كلها منحرفه, و ليست موجوده بالطبع و انما وجودها بالوضع. و لذلك فصولها انما هى بالوضع, اللهم الا فيما اشتركت فيه مع المنزل الفاضل, فان القول فيه له نظام معلوم ضرورى, و هذا الجزء المشترك إوهم ان القول فيه علمى, اذ ليس يخلو منزل ان تكون فيه إمور كثيره مشتركه مما شإنها ان تكون فى المنزل الفاضل, فانه ان خلا منزل من ذلك لم يمكن ان يبقى و لاكان منزلا الا باشتراك الاسم. فلنترك القول فيه و لنعرج عنه لمن يفرغ للقول فى الامور الموجوده وقتا ما.
و إيضا فان كمال المنزل ليس من المقصوده لذاتها, انما يراد به تكميل المدينه إو غايه الانسان بالطبع. و هو بين إن القول فيه جزء من القول فى تدبير الانسان نفسه, فعلى إى الجهتين كان فهو اما جزء مدينه, و القول فيه جزء من القول فى المدن, إو توطيه لغايه إخرى, و القول فيه جزء من القول فى تلك الغايه. فمن هنا تبين ان القول فى تدبير المنزل على ما هو مشهور ليس له جدوى و لا هو علم, بل إن كان فوقتا ما, كما يعرض ذلك فيما كتبه البلاغيون فى كتب الاداب التى يسمونها نفسانيه, مثل كتاب كليله و دمنه و مثل كتاب حكمإ العرب, المشتمله على الوصايا و الاقاويل المشهوريه. و اكثر ما يوجد هذا اجزإ من كتاب, كما يوجد ذلك فى الابواب التى تتضمن صحبه السلطان و معاشره الاخوان و ما شاكل ذلك, فان جل ذلك نما كان الصادق منها وقتا ما و فى سيره سيره; فاذا تغيرت تلك السيره تغيرت تلك الارإ, التى هى إقاويل كليه, فصارت جزئيه بعد إن كانت كليه, و صارت بعد إن كانت نافعه ضاره إو مطرحه. و انت تتبين ذلك اذا وقفت على ما كان فى الكتب الموضوعه فى ذلك وقست كل قول الى الزمان الذى بعد زمانه.
و لما كانت المدينه الفاضله تختص بعدم صناعه الطب و صناعه القضإ, و ذلك ان المحبه بينهم اجمع فلاتشاكس بينهم إصلا, فلذلك اذا عرى جزء منها من المحبه و وقع التشاكس, احتيج الى وضع العدل و احتيج ضروره الى من يقوم به, و هو القاضى. و إيضا فان المدينه الفاضله افعالها كلها صواب, فان هذا خاصتها التى تلزمها, و لذلك لايغتذى إهلها بالاغذيه الضاره, فلذلك لايحتاجون الى معرفه ادويه الاختناق بالفطر و لاغيره مما جانسه, و لايحتاجون الى معرفه مداواه الخمر, اذ كان ليس هناك امر غير منتظم. و كذلك اذا اسقطوا الرياضه حدثت عند ذلك امراض كثيره, و بين إن ذلك ليس لها, و عسى إن لايحتاج فيها الى اكثر من مداواه الخلع و ما جانسه. و بالجمله الامراض التى اسبابها القريبه و ارده من خارج و لايستطيع البدن الحسن الصحه ان ينهض بنفسه فى دفعها, فانه قد شوهد كثير من الاصحإ تبرإ جراحهم العظيمه من تلقإ انفسها, الى اشيإ إخر تشهد بذلك. فمن خواص المدينه الكامله إن لايكون فيها طبيب و لاقاض, و من اللواحق العامه بالمدن الاربع البسيطه ان يفتقد فيها الى طبيب و قاض; و كلما بعدت المدينه عن الكامله, كان الافتقار فيها الى هذين اكثر, و كانت فيها مرتبه هذين الصنفين من الناس اشرف.
و بين إن المدينه الفاضله الكامله قد إعطى فيها كل انسان افضل ما هو معد نحوه, و ان آرإها كلها صادقه, و انه لا رإى كاذب فيها, و ان اعمالها هى الفاضله بالاطلاق وحدها, و إن كل عمل غيره فان كان فاضلا فبالاضافه الى فساد موجود. فان قطع عضو من الجسد ضار بذاته, الا انه قد يكون نافعا بالعرض لمن نهشته إفعى, فيصح بقطعه البدن. و كذلك السقمونيا ضاره بذاتها, الا إنها نافعه لمن به عله؟ و قد تلخصت هذه الامور فى كتاب نيقو ماخيا. فبين إن كل رإى غير رإى إهلها يحدث فى المدينه الكامله فهو كاذب, و كل عمل يحدث فيها غير الاعمال المعتاده فيها فهو خطإ, و ليس للكاذب طبيعه محدوده, و لايمكن إن يعلم الكاذب اصلا; على ما تبين فى كتاب البرهان. اما العمل الخطإ فقد يمكن إن يعمل لينال به غرض آخر, و قد وضع فى الاعمال التى إمكن النظر فيها كتب كالحيل لبنى شاكر. فان كل ما فيها لعب, و اشيإ تقصد للتعجب بها, لامقصد لها فى كمال الانسان الذاتى, فالقول فيها شراره و جهل.
فاذن ليس يوضع فى المدينه الكامله إقاويل فيمن رإى غير رإيها او عمل غير عملها. و اما فى المدن الاربع, فقد يمكن ذلك, فانه قد يمكن ان يخل هناك بعمل, فيهتدى اليه بالطبع انسان إو يتعلمه من آخر فيعلمه; إو يكون هناك رإى كاذب فيشعر بكذبه انسان ما, إو يكون فيها علوم مغلطه لايعتقدون فى شىء منها إو فى اكثرها, ما فيها إخذ المتناقضات, فيقع انسان بالطبع إو بتعلمه من غيره على صادق المتناقضين. و اما من وجد عملا إو تعلم علما صوابا لم يكن فى المدينه, فليس لهذا الصنف اسم يعمه.
فاما من وقع على رإى صادق لم يكن فى تلك المدينه إو كان فيها نقيضه هو المعتقد, فانهم يسمون النوابت, و كلما كانت معتقداتهم اكثر و اعظم موقعا, كان هذا الاسم إوقع عليهم. و هذا الاسم يقال عليهم خصوصا, و قد يقال بعموم على من هو يرى غير رإى إهل المدينه, كيف كان صادقا او كاذبا. و نقل اليهم هذا الاسم من العشب النابت من تلقإ نفسه بين الزرع. فلنخص نحن بهذا الاسم الذين يرون الارإ الصادقه. فبين ان من خواص المدينه الكامله إن لايكون فيها نوابت اذا قيل هذا الاسم بخصوص, لانه لا آرإ كاذبه فيها; و لا بعموم, فانه متى كان, فقد مرضت و انقضت إمورها و صارت غير كامله.
و السير الاربع قد توجد فيها النوابت, و وجودهم هو سبب حدوث المدينه الكامله, على ما تبين فى غير هذا الموضع. و لما كانت جميع السير التى فى هذا الزمان, و فيما كان قبلها من معظم ما بلغنا خبره, اللهم الا ما يحكى ابو نصر ((عن سيره الفرس الاولى, كلها مركبه من السير الخمس, و معظم ما نجده فيها من السير الاربع, و تلخيض ذلك معرج عنه لمن يفرغ للفحص عن السير الموجوده فى هذا الزمان. بل الاصناف الثلثه منها موجودون إو يمكن وجودهم و هم النوابت و الحكام و الاطبإ. و كان السعدإ ان امكن وجودهم فى هذه المدن فانما تكون لهم سعاده المفرد, و صواب التدبير انما يكون تدبير المفرد, و سوإ كان المفرد واحدا إو إكثر من واحد, ما لم يجتمع على رإيهم امه او مدينه. و هولاى هم الذين يعنونهم الصوفيه بقولهم الغربإ, لانهم و ان كانوا فى إوطانهم و بين اترابهم و جيرانهم, غربإ فى آرائهم قد سافروا بإفكار هم الى مراتب إخر هى لهم كالاوطان, الى سائر ما يقولونه.
و نحن فى هذا القول نقصد تدبير هذا الانسان المتوحد, و بين انه قد لحقه امر خارج عن الطبع, فنقول كيف يتدبر حتى ينال افضل وجوداته, كما يقوله الطبيب فى الانسان المنفرد فى هذه المدن كيف يتوجه حتى يكون صحيحا, اما بان يحفظ صحته كما كتب جالينوس فى كتاب حفظ الصحه, و اما بان يستر جعها اذا زالت كما وضعت فى صناعه الطب. كذلك هذا القول هو للنابت المفرد و هو كيف ينال السعاده اذا لم تكن موجوده, إو كيف يزيل عن نفسه الاعراض التى تمنعه عن السعاده, إو عن نيل ما يمكنه منها, اما بحسب غايه رويته او بحسب ما استقر فى نفسه. و اما حفظها, و ذلك شبيه بحفظ الصحه, فلايمكن فى السير الثلاث؟ و ما تركب منها, فان الذى يراه جالينوس إو غيره فى ذلك شبيه بالكيميإ و صناعه النجوم. فهذا الذى يضعه طب النفوس, و ذلك طب الاجسام, و الحكومه طب المعاشرات. فبين إن هذين الصنفين يسقطان جمله فى المدينه الكامله, فلذلك لم يعدا فى العلوم. و كذلك يسقط هذا الذى نقوله متى كانت المدينه كامله, و تسقط منفعه هذا القول كما يسقط علم الطب و صناعه القضإ و غير ذلك من الصنايع التى استنبطت بحسب التدبير الناقص. و كما ان ما فى ذلك من الارإ الصادقه يرجع الى ما فى الطب منها الى الصنايع الطبيعيه, و ما فى صناعه القضإ فيرجع الى الصناعه المدنيه, كذلك ما فى هذا يرجع ما فيه الى الصناعه الطبيعيه و الصناعه المدنيه.

الباب الثانى

فصل:

كل حى فانه يشارك الجمادات فى امور, و كل حيوان فانه يشارك الحى فقط فى إمور, و كل انسان فانه يشارك الحيوان غيرالناطق فى امور. فالحى و الجماد يشتركان فيما يوجد للاسطقس الذى ركبا منه و ذلك مثل الهبوط الى اسفل طوعا و الصعود الى فوق قسرا و ما جانس ذلك. و كذلك يشارك الحيوان الحى فى هذه, اذ هما من اسطقس واحد. و يشاركه ايضا بالنفس الغاذيه و المولده و الناميه فى إفعالها. و كذلك يشارك الانسان الحيوان غيرالناطق فى كل هذه و يشاركه ايضا فى الحس و التخيل و الذكر, و الافعال التى توجد له عن هذه و هى للنفس البهيميه. و يمتاز عن جميع هذه الاصناف بالقوه الفكريه و ما لايكون الا بها, فلذلك يوجد له التذكر و لايوجد لغيره; و قد استقصى ما يباين به الانسان الحيوان غيرالناطق.
فالانسان لانه من الاسطقسات تلحقه الافعال الضروريه التى لااختيار له فيها, كالهوى من فوق و الاحتراق بالنار و ما جانسه. و من مشاركته للحى من وجه فقط ـ و هو النبات ـ يلحقه ايضا الافعال التى لااختيار له فيها اصلا كالاحتباس. و قد يقع فى هذه ضرب من الضروره, مثل ما يفعل الانسان عن الخوف الشديد, مثل شتم الصديق و قتل الاخ و الاب على إمر تملك, و هذه فللاختيار منها موقع, و قد لخصت هذه كلها فى نيقوماخيا.
و كل ما يوجد للانسان بالطبع و يختص به من الافعال فهو باختيار. و كل فعل يوجد للانسان باختياره فلايوجد لغيره من إنواع الاجسام, و الافعال الانسانيه الخاصه به هى ما تكون باختيار, فكل فعل انسانى فهو فعل باختيار. و اعنى بالاختيار الاراده الكاينه عن رويه. و اما الالهامات و الالقإ فى الروع و بالجمله الانفعالات العقليه ـ ان جاز ان يكون فى العقل انفعال يشارك الانسان ـ فان الانسان مختص بها. و انما احتيج الى اشتراط الاختيار فى الافعال التى من جهه النفس البهيميه, فان الحيوان غيرالناطق انما يتقدم فعله ما يحدث فى النفس البهيميه من افعال. و الانسان قد يفعل ذلك من هذه الجهه, كما يهرب الانسان من مفزع, فان هذا الفعل هو للانسان من جهه النفس البهيميه, و مثل من يكسر حجرا ضربه و عودا خدشه لانه خدشه فقط, و هذه كلها افعال بهيميه. فاما من يكسره لئلايخدش غيره, إو عن رويه توجب كسره فذلك فعل انسانى. فكل فعل يفعل لا لينال به غرضا غيرفعل ذلك الفعل, او من جهه انه لاينال به غرضا, فان كان له غرض ينال به لم يلحظه فذلك الفعل بهيمى و فعله عن النفس البهيميه فقط.
مثال ذلك ان آكلا ان إكل القراسيا لتشهيه اياه, فاتفق له عن ذلك ان لان بطنه و قد كان محتاجا اليه, فان ذلك فعل بهيمى و هو فعل انسانى بالعرض. و ان اكله المتعقل الطبع لالتشهيه اياه بل لتلين بطنه, و اتفق مع ذلك ان كان شهيا عنده فان ذلك فعل انسانى و هو بهيمى بالعرض, و ذلك انه عرض للنافع ان كان شهيا. فالفعل البهيمى هو الذى يتقدمه فى النفس الانفعال النفسانى فقط, مثل التشهى إو الغضب إو الخوف و ما شاكله; و الانسانى هو ما يتقدمه امر يوجبه عند فاعله الفكر, سوإ تقدم الفكر انفعال نفسانى إو اعقب الفكر ذلك, بل اذا كان المحرك للانسان ما اوجبه الفكر من جهه ما اوجبه الفكر او ما جانس ذلك, سوإ كانت الفكره يقينيه او مظنونه. فالبهيمى المحرك فيه ما يحدث فى النفس البهيميه من الانفعال, و الانسانى هو المحرك فيه يوجد فى النفس من رإى او اعتقاد. و معظم افعال الانسان فى السير الاربع و المركب منها هو إيضا من بهيمى و انسانى. و قل ما يوجد البهيمى خلوا من الانسانى, لانه لابد للانسان ـ اذا كان على الحال الطبيعيه فى إكثر الامور الا فى النادر ـ و ان كان سبب حركته الانفعال, ان يفكر كيف تفعل ذلك يستخدم البهيمى فيه الجزء الانسانى ليجيد فعله, و اما الانسانى فقد يوجد خلوا من البهيمى. و التطبب داخل فى هذا الصنف, و لكن فى هذه قد يصحبها انفعال فى النفس البهيميه, فان كان معاونا للرإى كان النهوض اليه اكثر واقوى, و ان كان مخالفا كان النهوض اضعف و اقل.
و اما من يفعل الفعل لاجل الرإى و الصواب, و لايلتفت الى النفس البهيميه و لامايحدث فيها, فذلك الانسان اخلق به ان يكون فعله ذلك الاهيا من ان يكون انسانيا. و لذلك يجب ان يكون هذا الانسان فاضلا بالفضايل الشكليه, حتى يكون متى قضت النفس الناطقه بشىء لم تخالف النفس البهيميه, بل قضت بذلك الامر من جهه ان الرإى قضى به. و كون النفس البهيميه بهذه الحال هو نيلها الفضايل الشكليه, فان الفضايل الشكليه انما هى تمام النفس البهيميه. فذلك كان الانسان الالهى ضروره فاضلا بالفضايل الشكليه, فانه ان لم يكن فاضلا بهذه الفضايل و خالفت النفس البهيميه فيه العقل, كان ذلك الفعل اما ناقصا او مخروما إو لم يكن اصلا. و كان عند فعله ذلك الفعل مكرها و كان عسيرا عليه, لان النفس البهيميه سامعه مطيعه للنفس الناطقه بالطبع, الا فى الانسان الذى هو على غيرالمجرى الطبيعى مثل السبعى الاخلاق. فلذلك من إفرط عليه الغضب, إشبه فى هذا الوقت السبع فى الاخلاق, و لذلك من كانت نفسه البهيميه تغلب نفسه الناطقه, حتى يكون ينهض عن شهوته المخالفه لرإيه ذائما, فهو انسان سوإ البهيمه خير منه. و ما إحسن ما قيل فيه انه بهيمه لكن له فكره انسان يجيد بها ذلك الفعل, فلذلك تكون فكرته عند ذلك شرا زايدا فى شره كالغذإ المحمود فى البدن السقيم, كما يقوله ابقراط: ((البدن الردى كلما غذوته زدته شرا)). و قد لخصنا هذا فيما كتبناه فى شرح السابعه من السماع و تقصيناه هناك.
و قد تبين ما الفعل الانسانى و ما الفعل البهيمى و ما الفعل الجمادى. و هذه جميع الافعال التى توجد للانسان, و كل واحد من هذه جنس لما تحته. فالفعل الجمادى ظاهر انه اضطرار لا اختيار فيه كما قلناه فليس لشىء اصلا, و لذلك ليس لنا ان لانفعله لان الحركه فيه ليست من تلقائنا. و الفعل البهيمى هو إيضا لا من إجل شىء الا انه من تلقائنا, و لذلك الينا ان نقف متى. شئنا فظاهر انه اذا انما يجب ان تحدد الغايات فى الافعال الانسانيه فقط.

الباب الثالث

القول فى الصور الروحانيه:

و الروح يقال فى لسان العرب على ما تقال عليه النفس, و يستعمله المتفلسفون باشتراك, فتاره يريدون به الحار العزيزى الذى هو الاله النفسانيه الاولى; فلذلك نجد الاطبإ يقولون إن الارواح ثلاثه: روح طبيعى, و روح حساس, و روح محرك.
و يعنون بالطبيعى الغذائى, اذ يوقعون الطبيعه فى صناعتهم على النفس الغاذيه. و يستعمل على النفس, لا من حيث هى نفس, بل من حيث هى نفس محركه. فالنفس و الروح اثنان بالقول واحد بالموضوع. و الروحانى منسوب الى الروح اذا دل على المعنى الثانى. و يدلون به على الجواهر الساكنه المحركه لسواها, و هذه ضروره ليست إجساما بل هى صور لاجسام, اذ كل جسم فهو متحرك. و شكل هذه اللفظه غيرعربى و هى دخيله فى لسان العرب فى الصنف الذى جإ على غير قياس عند نحوىالعرب, فان المقيسه عندهم إن يقال روحى; و انما يستعملها كذلك المتفلسفون فى إلفاظ قليله, مثل الجسمانيه و النفسانيه. و إما الهيولانيه فاللفظه دخيله فى لسانهم. و كلما كان الجوهر إبعد عن الجسمانيه كان اخلق بهذا الاسم, و لذلك يرون إن إخلق الجواهر بها العقل الفعال, و الجواهر المحركه للاجسام المستديره.
و الصور الروحانيه اصناف: او لها صور الاجسام المستديره, و الصنف الثانى العقل الفعال و العقل المستفاد, و الثالث المعقولات الهيولانيه, و الرابع المعانى الموجوده فى قوى النفس, و هى الموجوده فى الحس المشترك و فى قوه التخيل و فى الذكر. و الصنف الاول ليس هيولانيا بوجه, و اما الصنف الثالث فله نسبه الى الهيولى. و يقال لها هيولانيه لانها المعقولات الهيولانيه لانها ليست روحانيه بذاتها, اذ وجودها فى الهيولى. و اما الصنف الثانى فهو بهذا الوجه غيرهيولانى إصلا, اذ لم يكن فى وقت من الاوقات ضروره هيولانيا. و انما نسبته الى الهيولى لانه متمم للمعقولات الهيولانيه, و هو المستفاد, او فاعل لها و هو العقل الفعال. و اما الصنف الرابع فهو وسط بين المعقولات الهيولانيه و الصور الروحانيه. و اما الصنف الاول, فنحن نعرض عنه فى هذا القول, اذ لامدخل له فيما نريد ان نقوله; و انما نستعمل فى هذا القول الروحانى المطلق فهو العقل الفاعل, و ما ينسب اليه و هو المعقولات. و اسمى فى هذا القول هذه المعقولات بالروحانيه العامه, و اسمى ما دونها الى الصور الموجوده فى الحس المشترك الروحانيه الخاصه. و سبين بعد هذا لم نخص هذا بالخاصه و تلك بالعامه.
و الصور الروحانيه العامه انما لها نسبه واحده خاصه, و هى نسبتها الى الانسان الذى يعقلها; و اما الصور الروحانيه الخاصه فلها نسبتان: احداهما خاصه و هى نسبتها الى المحسوس, و الاخرى عامه و هى نسبتها الى الحاس المدرك لها. مثال ذلك صوره جبل إحد عند من إحسه, اذا كان غيرمشاهد له; فتلك صورته الروحانيه الخاصه لان نسبتها الى الجبل خاصه, لانا نقول انها الجبل. و لافرق عندنا فى قولنا: ((هذا جبل إحد)). و نحن نشير اليه فى مكانه, و هو موجود مدرك بالبصر, إو نشير اليه و هو موجود فى الحس المشترك, بعد ان إدركه مدرك كالتخيل. و نسبته العامه نسبه الى واحد واحد ممن شاهده; فانه قد شاهده اعداد من الناس. و قد تلخص امر هذه الصوره الروحانيه الخاصه و إصنافها فى الحس و المحسوس, و استقصى القول فيها من جهه ما هى امور طبيعيه. و إما هاتان النسبتان فذكرت هناك دون إن تلخص اصنافها. و التدبير الانسانى يستعمل اصناف هذه النسب حسب ما بين بعد هذا. و قد تبين هناك ان الموجوده فى الحس المشترك هى إحط منازل الروحانيه, ثم الموجوده فى قوه التخيل, ثم الموجوده فى قوه الذكر. و اعلاها رتبه و اكملها هو وجودها فى القوه الناطقه. و ان هذه الثلثه كلها جسمانيه.
و الجسمانيه فى الحس المشترك اكثر من الجسميه الموجوده فى التخيل. و الجسميه الموجوده فى التخيل اكثر من الجسميه فى صور القوه الذاكره. و لاجسميه اصلا فى صور القوه الناطقه, و لذلك ترتفع جمله النسبه الخاصه التى بينها و بين الشخص; فانه كلما وجدت النسبه الخاصه ففيها جسميه و من اجلها وجدت النسبه الخاصه. فاذ ارتفعت الجسميه, و صارت روحانيه محضه لم يبق لها الا نسبتها العامه, و هى نسبتها الى اشخاصها. و كذلك ايضا اذا ارتفعت الجسميه اصلا من تلك الصور, و لم يكن لها نسبه اليها الا بوجه آخر. و بين ان الحمل انما هو تباين النسبتين. و إما العاميه فهى حمل الكلى على شخص من اشخاصه, فيكون منها انقضيه الشخصيه التى محمولها كلى. و اما النسبه الخاصه فيكون منها القضيه الشخصيه التى محمولها شخص واحد. و اما ساير القضايا, و اى النسبه بينها, فالقول فيها فى غير هذا الموضع, و قد تلخص ذلك فيما كتبناه فى المقولات. و اما كيف نقول ان الجسمانيه فى هذه الروحانيه على ما ذكرناه, فقد تلخص فى الثانيه من كتاب الحس و المحسوس.

فصل:

الامور الموجوده لشىء ما فى الاعتقاد اما صادقه و اما كاذبه, و اما بالذات و اما بالعرض, و اما يقينيه و اما مظنونه. و ظاهر عند من كان له بصر بصناعه المنطق ان اليقينيه انما تكون صادقه ضروره, و اما المظنونه فقد تكون كاذبه و تكون صادقه. و نحن فيما نحن بسبيله نجعل ما بالعرض فى المظنونه الصادقه. و الصور الروحانيه ـ كيف كانت ـ فقد يكذب بها الانسان او يصدق, فان الحس قد يكذب. مثال ذلك حس الممرورين, فالاشخاص التى يخاطبونها حس كاذب, و كذلك تطعم إصناف من المرضى كاذب. فالانسان, بالصور الروحانيه المختلطه, صادق و كاذب.
و افضل الصور ما كان منها صادقا إو إومر بالحس المشترك, لانا قد نتخيل الامور النائيه البعيد عهدها, مثل تخيل امرىء القيس. و نتخيل إيضا ما لانشاهده كما نتخيل بلاد ياجوج و ماجوج, و نحن لم نحسها. فهذه الرسوم الروحانيه لم تمر بالحس المشترك, فلذلك اكثر هذه كاذبه. و قد تلخص كيف تكون صادقه فى الثانيه من كتاب الحس و المحسوس, فلذلك اشترط فى هذه إن تكون مرت بالحس المشترك. فاما ما كان منها صادقا, و لم يمر بالحس المشترك, فقد مر بالحس المشترك, مايقوم مقامه و هو اسمه, إو ما يدل عليه, و مر بالمصوره و استقر فى الذكر. و هذه قد تكون صادقه, كامرىء القيس, و قد تكون كاذبه, ككليله و دمنه, و هذا انما يوجد فى الاخبار الموضوعه. و قد يكون صنف آخر لم يمر بالحس المشترك شخصه, و لااسمه, و لا ما يدل عليه. و قد يكون من قبل العقل الفاعل, و بتوسط القوه الناطقه, لاسيما فى الامور المستقبله التى هى بالقوه, و ذلك فى الرويا الصادقه و فى الكهانات التى تذكر, و قد تلخص امر هذه فى آخر الثانيه من كتاب الحس. و هذه لاتكون باختيار انسان و لا له فى وجودها إثر يدخل فى هذا القول. و إيضا فانها موجوده فى الفرد من الناس فى النادر من الزمان, فلايتقدم من هذا الصنف من الموجودات صناعه إصلا, و لانحوه تدبير انسانى, فلذلك لامدخل له فى هذا القول. و يشبه إن تكون امثال هذه الالهامات الالهيه.
و من كانت له هذه القوه سمى محدثا, و منهم عمر بن خطاب ـ رضى الله عنه ـ على ما رواه المحدثون. و من هولاى إصحاب الظنون الصادقه. و الفرق بين هاولاى و بين المحدثين ان هولاى يتقدم عندهم بالوضع إحد جزئى التناقض, على شريطه كل مطلوب على ما يتقدم عندالناس كلهم, فيسبق الى ذلك الانسان الطرف الكاذب, فيظنه بدا على غيرقياس, و ذلك فى إغلب احواله. و المحدث ينشإ اليه الامر الصادق, دون ان يتقدم و نقيضه معا, و دون مذكر يذكره بذلك, فلايتشوق الى علم ذلك بفكر و لاقياس, فلايكون ذلك عنده طرف نقيض إصلا. و ذو الظن الصادق انما نشإ لديه التصديق فقط, و المحدث نشإاليه التصور و التصديق معا. و قد لخص هذا كله ارسطو فى الثانيه من الحس و المحسوس. و امثال هذه فهى زايده على الامر الطبيعى لكنها مواهب الاهيه. و لا هذه يحدث عنها صناعه لانها فى الاقل من الناس, بل الامر الطبيعى هو التوسط, و هو وجود الظن مختلطا. و إفضل هذه الوجودات ان تكون اكثر ظنونه صادقه, و ان لاتختلط الا فيما شإنه ذلك. و إخس الحالات ان يظن فى اكثرها الكاذب, و ذلك إن يظن إبدا ماهوعلى الاقل, وهذايعرف بالبعيدالظن.
والاخر ظن ما هو على الاكثر فى ذلك الموضوع, بحسب الاحوال التى تكون حاضره, اما فى الموضوع, و اما فيما يتصل به, و لاينطبق بها, اما لغموضها او لكثرتها. و يرجع بحسب ذلك ما هو على التساوى او على الاقل, اما ضروريا و اما على الاكثر, و هذا لا اسم له. و اكثر ما يوجد هذا لمن كثرت تجربته, و ذلك بالامعان فى النسب. و هولاى يعرفون بالمتحنكين و لذلك قليلا ما يخدعون; لان الشباب إسرع انخداعا, و قد لخص ذلك ارسطو فى كتابه فى الريطوريقا. و اما الصور الروحانيه الكاذبه فيما لم يكن له وجود اما إن لايكون موضوعه موجودا كما ذلك فى الامثال, او يكون موضوعه موجودا غير إنه ليس فيه ذلك المحمول. و المحمول فى الكاذبه اما ان لايمكن, مثال ذلك ما كانت العرب تحكيه عن زرقإ اليمامه و تإبط شرا و ما تحكيه النصارى عن قوم يبنون الهياكل باسمائهم, من إنهم قتلوا, ثم إحيوا, ثم احرقوا, ثم احيوا, و هذا يرون انه امر الهى. و اما ما حكته العرب, فانه فى الظن, و اما ان يكون ممكنا فى الحقيقه, مثال ذلك: ان يكون زيد ـ و هو غير نحوى ـ نحويا, و اما لايكون; فان النحو يكون ممكنا فى انسان ما, غير انه لايعلمه, فيظن انه نحوى.
فاما اليقينيه فى محمولات الصور الخاصه, فهى المحمولات التى توجد اشخاصها فى الصور الجسمانيه, فلذلك تدرك بالحس, فهذه ضروره يجب ان تمر بالحس المشترك. فمن هذه ما يكتفى, فى اليقين به, بحاسه واحده و هو ما كان محسوسا خاصه, كاللون للبصر, و الصوت للسمع, و ساير ما قيل فى الحس و المحسوس, من الاحوال التى هى ضروريه فى ذلك. و منها المحسوسات المشتركه, فلايكتفى فى اليقين بها بحاسه واحده, حتى تتعاون عليها الحواس; و ربما احتيج الى القوه الفكريه فى ذلك, مثال ذلك هذا المرئى حى; فانه لايكتفى فيه بالنظر, دون اللمس, فانه قد يكون مغشيا عليه, و دون القوه الفكريه فى ان هذا المرئى حى. قد يكون به انطباق العروق فلايتنفس, و يعدم جميع الافعال الحيوانيه. و انما بقى من افعال الحى ما يدركه اللمس, غيرانه لايفيد اليقين فيه, فتستعمل القوه الفكريه باشيإ إخر تحس فيه. مثال ذلك ان يفصد, فيخرج منه دم حار, و مثل ان تجعل صوفه, إو مرآه عند فيه, فيظهر فيها رشح التنفس, فان التنفس قد يكون من الخفإ بحيث لاتدركه الحواس. فالحس يوقع اليقين فى الصور الخاصه و قد يوقعه القياس. مثال ذلك هذا حائط مبنى, فله بان, غير إن القياس انما يوقع صوره الشىء الروحانيه الفكريه, فلذلك تقع فى الحس المشترك على خلاف ما كانت عليه, إو هى عليه من التشكيلات التى يدركها الحس منها. و لذلك يختلف الحس المشترك, فيمن شاهد ذلك البنيان, فى احضار صنم ذلك البانى. و سبب اختلافه هو إن لايجتمع فى القوى الثلاث التى تحضر الصور الروحانيه. كما كانت فى وجودها الجسمانى; فلذلك اذا اجمعت القوى الثلاث, حضرت الصوره الروحانيه, كإنها محسوسه. لانها عند اجتماعها يكون الصدق و ضروره. و يشاهد العجب من فعلها. و هذا هو الذى ظنه الصوفيون غايه قصوى للانسان. و لذلك يقولون فى دعائهم ((جمعك الله و عين الجمع)); لانهم ـ بقصورهم عن الصور الروحانيه المحضه ـ قامت عندهم هذه الصوره الروحانيه مقام تلك. و لما كانت هذه تكذب عند افتراقها, و شعروا بصدقها عند اجتماعها دايما, ظنوا اجتماعها هو السعاده القصوى. و لما كانت عند اجتماعها تحضر لمن اجتمعت له صور غريبه, و محسوسات بالقوه هايله المنظر, و انفس إحسن كرامه فى الوجود, ظنوا إن الغايه ادراك هذه. و لذلك يقول الغزالى انه ادرك مدركات روحانيه, و شهر الجواهر الروحانيه, و عرض لعظم ما شاهد بقول الشاعر ((و كان ما كان مما لست اذكره)) و لذلك تزعم الصوفيه إن ادراك السعاده القصوى, قد يكون بلاتعلم, بل بالتفرغ و بإن لايخلو طرفه عين عن ذكر المطلوب; لانه متى فعل ذلك إجمعت القوى الثلاث, و امكن ذلك. و ذلك كله ظن, و فعل ما ظنوا إمر خارج عن الطبع.
و هذه الغايه التى ظنوها, اذ لو كانت صادقه و غايه للمتوحد, فادراكها بالعرض لابالذات. فلو ادركت لما كان منها مدينه, و لبقى اشرف إجزإ الانسان فضلا لا عمل له, فكان وجوده باطلا, و كانت تبطل جميع التعاليم, و العلوم الثلاثه, التى هى الحكمه النظريه. و لا هذه فقط, بل و الصنايع الظنونيه, كالنحو و ما جانسه. فبهذه الوجوه يقع اليقين فى محمولات الصور الروحانيه بالذات. و قد يقع بالعرض فى الاخبار و تواترها, الا ان ذلك انما يكون من اجتماع ما للقوه الفكريه مع القوه الذاكره. و لذلك اذا لم يكن يتحد معها الحس, لم تحضر صوره الشىء, كما هو فى الوجود. مثال ذلك ان فى مصر النيل فبهذا قد وقع اليقين, غير ان صوره مصر الروحانيه, و وضع النيل منها فى الحس المشترك, عند من لم يشاهده, كما هو وجوده فلا. لان الحس المشترك لم يجتمع مع القوتين. فان اتفق اجتماعها عند انسان, صار عنده مدينه الفسطاط, و وضع النيل منها, كما هو فى الوجود, و شاهد الصور الروحانيه كما هى فى وجودها.
و اما صور الاشيإ الروحانيه الحاصله عن الذكر, و هى التى تإخذها القوى عنه, فكلها و كل محمولاتها مظنونه, الا ما اتفق ان يقع بها اليقين, بالوجه الذى ذكرناه و هو بالعرض.
و اما الصور الروحانيه الكاذبه, فتقع عن وجوه كثيره; منها فى المحسوسات الخاصه, ان يكون بالعرض, مثل إن يكون الانسان فى دخان الصنوبر زمانا طويلا, فيسود وجهه, فيظن ان لونه اسود. و كذلك فى الاصوات و ساير المحسوسات. فاما فى المحسوسات المشتركه, فمن ذلك إغاليط الحواس, مثل ما يرى المتحرك فى البحر ان الجبال تجرى, و من هذه تلتئم اصناف من صنايع المشعبذين. و إما فيما ليس يحس, سوإ كان من شإنه ان يحس غير إنه غايب, اما لانه قد فسد الجوهر ذو الصوره الروحانيه, و ان كان حاضرا فيكون غايبا عن الحس. و هذا انما هو اكثر, فيما يتطاول زمان عدمه, فله اسباب إخر, احصاوها ليس بعسير. غير ان احصإها فيما نحن بسبيله فضل, اذ ليس نقصد احصإ اصناف التدبير, بل انما نقصد التدبير الصادق, لانه افضل التدبير, و لانه قد يمكن ان ينال المتوحد السعاده الذاتيه به. فاما استعمال الكذب, فانه انما يدخل فى اناله السعاده اهل المدن, و لكن لابكذب البحث, بل بكذب الالغاز. و هذا كله قد استقصى فى العلم المدنى. و نحن انما نقصد فيما نحن بسبيله تدبير المتوحد. و من الصور الروحانيه الكاذبه يكون الريإ و المكر, و قوى اخرى شبيهه به. و هذه و اصنافها يعظم موقعها فى السير الموجوده, حتى يظن بالعارف بها الحكمه, و يظن آنها هى الحكمه, و يرى الجمهور فيها, و كثير من خواص امثال هذه المدن آنهاالتعقل الذى يذكره ارسطو فى السادسه. فاذا سمعوا ما شرطه فى التعقل من كون المتعقل فاضلا نبت إذهانهم عن ذلك. فكثير منهم يرى ان ذلك رعونه و نقصا فى الادراك, و ضربا من البلاده. و لذلك يفضل قوم معاويه على على بن ابى طالب رضى الله عنه فى الحزم. فاذا تعقب ذلك كله ظهر ان الامر بخلاف ما ظنوا, و سنبين ذلك فيما بعد هذا.
و اما وجود المحمولات للصور الروحانيه بالذات, فان شرايط ما بالذات للصور الروحانيه بالاطلاق فهى المعقولات, و قد تلخص ذلك فى كتاب البرهان. و اما فى الصور الروحانيه الخاصه, فانما هو إن يكون ذلك موجودا للصور الجسمانيه, كيف كان وجوده. و لسنا نحتاج فى ذلك الى اشتراط ان يكون قوام احدهما بالاخر, حسب ما اشترط فيها بالذات فى الصور العقليه. بل انما نحتاج الى ما ذكرناه فقط, و هو إن يكون موجودا للصور الجسمانيه; لان هذه الصور الروحانيه خاصه كما قلناه قبل. و يكون بالعرض اذا لم يكن فى الصور الجسمانيه, كمايعرض ذلك فى الاصباغ, و كما يعرض ذلك عند غلط الحواس و ساير الاصناف التى عددناها قبل. و قد يكون من غلط القوه الفكريه, و يشترك فى هذه الصور الروحانيه الخاصه مع المعقولات, مثل إن يكون يقترن وجودان فى آن فيظن إن احدهما الاخر.

فصل:

و لانا نريد ان يكون ما نقوله مستعملا, نقتصر على ما يلتئم به ذلك دون إن نردفه بما يحرك النفس اليه. فلذلك رإينا ان نستعمل فى هذا الفصل مضافا الى الاقاويل البلاغيه الصنف الذى يعرف بالاقاويل الانفعاليه, التى اذا تصورت المعانى التى منها يلتئم التدبير لم تتصور شاخصه فقط, بل تصورت بخيال يحض النفس البهيميه لتتشوق كمال ذلك, فتذعن له و تتحرك عما يقتضيه القول. و ذلك كما يعرض فى جميع الصنايع كالكتابه, فان القول الذى يشتمل عليها تتقوم به الكتابه فى النفس. و اما انفاذ افعال الكتابه, و اعتماد انفاذ افعالها فالمحرك اليها اشيإ إخر تخص النفس البهيميه.
فنقول: كل جسم كاين فاسد فلصورته ثلاث مراتب فى الوجود; او لها الروحانيه العامه, و هى الصوره العقليه و هى النوع. و الثانيه الصوره الروحانيه الخاصه, و الثاله الصوره الجسمانيه. فاما الروحانيه الخاصه فلها ثلاث مراتب: إولها معناها الموجود فى القوه الذاكره. و الثانيه الرسم الموجود فى القوه المتخيله. و الثالثه الصنم الحاصل فى الحس المشترك. فالصور منها خاصه و منها عامه, و العامه هى المعقولات الكليه, و الخاصه منها روحانيه, و منها جسمانيه.
و كل انسان ـ على ما تقدم ـ فله إجناس من القوى; اولها القوه الفكريه, و الثانيه القوى الروحانيه الثلاث, و الثالثه القوه الحساسه, و الرابعه القوه المولوده, و الخامسه القوه الغاذيه و ما يعد معها, و السادسه القوه الاسطقسيه.
فإما ما له عن السادسه و الخامسه, فلاينسب الى الحيوان اصلا, و لذلك يسميها قوم الطبيعيه و يسمون الخامسه طبيعيه. و إما افعال القوه السادسه فهى بالاضطرار صرفا, و لاشركه بينها و بين افعال الاختيار. و إما افعال القوه الخامسه فهى إيضا لا باختيار اصلا, و لا باضطرار صرفا. و تنفصل من الاضطراريه بإن المحرك فى الجسم, و انما تحتاج الى المتحرك ـ و هى الماده التى هى الغذإ ـ و بالجمله فان المتحرك مثل اندمال الجرح و ما شاكله.
و اما الرابعه فهى إيضا مثل افعال القوه الخامسه, غير إنها إقرب الى الاختيار, و ذلك إن الغذإ ضرورى فى قوام الجسد. و اما القإ المنى فى فى انثى مولده, فليس بضرورى و لاتقود اليه الشهوه ضروره, و ذلك بين بنفسه. فالاختيار اذا إدى اليها, و هى القإ البذر فى انثى مولده. فهذا فعل اختيارى و سنقول فى الافعال كيف هى بعد هذا. و لذلك قد يعدها قوم فى الافعال الاختياريه, و قوم فى الافعال التى لااختيار فيها.
و إما الثالثه فإفعالها ايضا شبيهه بهذه, و هى لنا ايضا باضطرار اذ كانت انفعالات. الا إن منها ما هو ادخل فى باب الاختيار, كالبصر, و منها ما هو إقرب الى الاضطرار, و هو اللمس. الا انها كلها قد يمكنا ـاذا شئنا ـ ان لاننفعل منها, كالهرب من الحر, و التدثر من البرد, و امثالها.
و إما القوه الثانيه فلها افعال و انفعالات, فإما الانفعالات الحاصله عنها فمجراها كمجرى الحس, و اما الافعال الكاينه عنها فهى اختياريه, اذا كانت انسانيه. و اما اذا كانت بهيميه فهى باضطرار, كما قلناه فى الاقاويل التى قلناها فى شرح السابعه من السماع.
و اما القوه الاولى فان التصديق و التصور فيها باضطرار, و لو كانا باختيار لنا صرفنا عما يسوونا, و ما احتاج المتنبى إن يقول: ((فزعت منه بآمالى الى الكذب)). و الافعال الكاينه عنها باختيار صرفا. و كل قوه من القوى الاربع ـ إو مجموعها ـ للناطقه فيه مدخل, و للاختيار فيه مدخل. و لما كانت الافعال الانسانيه هى الاختياريه كان كل فعل من إفعال هذه القوى يمكن إن يكون للناطقه فيها مدخل. و النظام و الترتيب فى افعال الانسان انما هو من اجل الناطقه, و هما للناطقه من إجل الغايه, التى جرت العاده ان يقال لها العافيه.

فصل:

الافعال الانسانيه منها ما يكون كل جزء منها باختيار, و لذلك يمكن للانسان إن يقف حيث يشإ من ذلك الفعل, كالحياكه و السكافه و ما شاكل هذه الصنايع. و منها ما الاختيار اكثر إجزائها, غير إن الغايه فيها لشىء آخر, و ما يشاركه فيه قوه ليست ناطقه, كالملاحه و الفلاحه. و منها ما يوجد للانسان بدوه, فاذا فعل ما له ان يفعل تولى الفعل محرك آخر الى تمام الفعل كالايلاد. فانه اذا القى الانسان المنى فى الرحم, لم يكن عن اختياره كون الجنين و لا من امره شىء.
فاما الصنف الاول فيختص باسم الجنس, و لذلك يقاله له صنايع و مهن, و اما الصنف الثانى الذى تحته الفلاحه و الملاحه فيقال له القوى, و قد لخصت هذه فى العلم المدنى. و اما الصنف الثالث من الافعال, فهو مولف من فعلين ينفصل احدهما عن الاخر. و الفعل الذى هو كالمبدإ, فهو باختيار. و الثانى فليس للاختيار فيه حظ, فلذلك يدخل فى الاختيار ما منه اختيارى. و الثانى فانما تنظر فيه صنايع إخر.

فصل:

الصور الروحانيه منها ما له حال و منها ما لاحال له, فالذى لا حال له فى النفس فهو الصور الروحانيه. اما اذا حصلت مجرده و كانت من الانواع الموجوده كثيرا, كالانسان, فانه اذا رإى انسانا ما و حصلت روحانيته فى النفس, لم يكن لتلك الروحانيه رتبه, و لا اثرت فى النفس إثرا, فان خطرت على البال, و ذكرت, فبالعرض. و ذلك مثل ان نلقى انسانا على المجرى الطبيعى فى خلقته, و على المجرى المعتاد فى زيه. فتلك الصور الروحانيه الحاصله عنه لاتخطر بالبال, الا بالعرض, و ذلك عندما يخطر بالبال الطرف, فيخطر جزء الجمله, فذلك بالعرض. و اما إن يرى الانسان صوره شخص, من نوع لم يعهده مثل ان يرى اهل البلاد الشماليه الفيل, فتلك المرتبه لتلك الروحانيه انما هى للنوع لا للروحانيه. عند ذلك تكون عند الانسان عوض النوع. و من هذه صنف آخر, و هو إن يرى الانسان لصا, فيحدث فى النفس مخافه, و هذا يحدث فى النفس إثرا, لكنه تإثر عام. كذلك كل لص فتكون هذه ايضا بدلا من النوع, و هذه لايوثر عنها الاخبار, فلا فايده فيها الا بالعرض كما قلناه.
و منها ما له حال, و هذه اصناف, منها ما حاله طبيعيه مثل الولد و الوالد, و بالجمله فذو الرحم فانه ـ عند ذوى رحمه ـ ذو صوره روحانيه, و يقع عنه حديث. و منها ما حاله ايضا حال طبيعيه, اما حال نقص او حال كمال. فاما حال النقص كالتشويهات و الامراض. فلنسم ما له حال نقص ما لاحال له, كما يقال للردى الصوت انه لاصوت له. و اما حال الكمال, كما فى الاحوال الجسمانيه و النفسانيه, و ذلك مثل حسن الصوره, و اعتدال الاعضإ الجسمانيه و النفسانيه, كالفضايل كلها. و بالجمله فهى اما فضايل جسمانيه, إو فضايل نفسانيه, او فضايل فكريه, او نقائض هذه; اذ كانت الانسان بالطبع و لم تكن بالاكتساب. و منها صنف آخر, و هو الامور المكتسبه, و هذه إصناف: اما صنايع, و اما قوى, و اما اخلاق, و اما قوى فكريه, و اما افعالها. و منها صنف آخر, مثل النسب, و ينقسم الى[ شرفه] و خسته, و لكل واحد من هذه جدوى او ضرر لذى الصوره, و سنفصل ذلك كله اذا و صلنا الى القول فيه.
و ايضا فان الصور الروحانيه لها فى موضوعاتها مراتب هى بها إكثر روحانيه, و إقل روحانيه, فالصور التى فى الحس المشترك هى اقل المراتب الروحانيه, و هى اقرب الروحانيه الى الجسمانيه, و لذلك يعبر عنها بالصنم, فيقال بان الحس المشترك فيه صنم المحسوس. ثم الصوره التى فى الخياليه و هى اكثر روحانيه, و اقل جسمانيه, و لهذه ينسب وجود الفضايل النفسانيه. ثم التى فى القوه الذاكره وهى اقصى مراتب الصور الروحانيه الخاصه. و كل واحد من هذه, فهو للانسان محبوب بالطبع, و قل ما يوجد انسان خلوا من آثار واحده من هذه الروحانيه. و افعال الانسان كلها ـ اذا كان جزء مدينه ـ فغايتها المدينه. و ذلك انما يكون فى المدينه الفاضله فقط, و اما فى ساير المدن الاربع و ما تركب منها, فان كل واحد من اهل هذه المدن ينصب كل واحد من هذه غايه, و يوثر ملذاتها, فاذا التوطيات فى المدينه الفاضله غايات فى غيرها.

الباب الرابع

و الافعال الانسانيه اما ان تكون الغايه بها وجود الصوره الجسمانيه فقط, و ذلك مثل الاكل و الشرب و الدثار و المسكن. فما كان من هذه ضروريا, فهو مشترك, و ما كان ازيد من الضرورى, مثل الفايق فى اصناف المطاعم و الروايح, و بالجمله فما كان المطلوب منه الالتذاذ فقط, فهو جسمانى محض. و فى هذه يدخل السكر, و لعب الشطرنج, و الصيد للالتذاذ. و من جعل هذا وكده; فهو جسمانى محض. و هذا الصنف قليل من الناس, و مثل هذا ليس لصورته الروحانيه عنده قدر, و لايشعر بها و ذلك لافراط جسمانيته. و هذا الصنف انما يوجد اكثر ذلك فى اعقاب ذوى الاحساب, و على امثال هولاى ينقطع ثبوت شرف الانسان. و لذلك انما تنتقل الدول عن اجناس الامم على إيدى هولاى. و السبب فى ذلك يقدر الانسان ان يإتى به, اذا تإمله من قبل نفسه, و ليس هذا الموضع لايقا به. و جميع الارإ المكتوبه و الثابته مطبقه على ذم إمثال هاولايى من الناس و فى امثالهم يقول الشاعر:
((شبت يا هذا و ما تترك اخلاق الغلام)).
فهاولاى هم الذين إخلدوا الى الارض, و فيهم قوله عز اسمه: ((كالذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين, و لو شئنا لرفعناه بها, و لكنه إخلد الى الارض, واتبع هواه)). و من شإن هاولاى ان لايبالوا بما يفوتهم من الافعال التى للصور الروحانيه اصلا, و متى عرضت عليه لم يعرج عليها, و لا اشتاق اليها, فسوإ عذله و تركه. ((فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث)). و هاولاى ـ كما قلنا ـ قليل لكنهم موجودون. بل انما يوجد كثيرا من غلبته هذه الطبيعه, و هاولاى يختلفون بالاقل و الاكثر.
و اما ان تكون الافعال نحو الصور الروحانيه و هذه اصناف:
الاول منها ما هو نحو الصور الروحانيه التى فى الحس المشترك, و هذه الطائفه كثيرا ما تصحب الاولى, لكنها بهذه هى إشرف, و بتلك هى إخس. و هذه الافعال هى اما مكتسبه, و اما طبيعيه. اما المكتسبه, فهى احوال فى تلك, و إسرها كلها الملابس, فإن الدثار للاولى, و الوان الدثار لهذه. لانها تبقى الصور الروحانيه فى الحس المشترك, كما إدركتها مقترنه فى اللباس و الامور المدركه معه فى آن واحد, سوإ كانت فيه او خارجه عنه. و فى هذه تدخل احوال المساكن, و هيآت وضع المآكل و المشرب, و آلاتهما. و كثيرا من الناس تزدوج فيه هاتان و ذم هاولاى إقل. و قد توجد آرإ غير مكتوبه تحمد هذه و تراها نبلا. و هذه يجل قدرها فى بعض السير, و فى بعضها يخس. و قليل من توجد له هاتان مفردتين, لكنه اكثر فى الاولى, و انما عدت هذه نبلا, لموقع الصوره الروحانيه فيها. و على امثال هاولاى خاصه تنقرض الدول فى الاكثر و اما شرف الاحساب فلا ينقرض على هاولاى, لان من له هذه الطبيعه قد يرى ذلك بعض الناس شرفا لعفته. لاسيما متى كان الاغلب عليه الافعال التى للصوره الروحانيه. فانها قد تغلب فى بعض الناس حتى يستبطنوا جزء الدثار الخسيس, ممايلى اجسامهم, و يبرزون للناس جزء الدثار الاحسن حتى إن بعضهم تباين فى ذلك. و ذلك موجود كثيرا فى هذا الزمن الذى كتبنا فيه هذا القول. و كان فى هذه البلاد فى سيره ملوك الطوايف اكثر هاولاى يعرفون بالمتجملين, و تلقب هذه السيره بالتجمل. فلذلك يقال ان التجمل يذهب بالمال, و يتوسلون به فى حوايجهم عند إكابرهم و يتمدحون و يمدحون به. فإما الاولى فانها مذمه و مندمه. و اكثر الناس فى هذه السيره يهواها فى سره, و يهرب عنها, و يذمها فى جهره.
و الثانى منها التى نحو الصوره الروحانيه التى فى التخيل. و هذه إصناف منها ما يقصد به نوع ما من الانفعال, كلباس السلاح فى غير الحرب, وكالعبوس, و ساير الهيآت النفسانيه. و فى هذا يدخل ما يصنعه الملوك عندما تدخل اليهم العامه و الغربإ عنهم كالرسل. من اتخاذ الالات التى يهول منظرها, و كلباسهم السلاح فى مجالسهم, الى ساير ما تجده مكتوبا فى التواريخ عن ملوك الامم.
و الثالث منها ما يقصد به الالتذاذ كالتبسم و التودد و البر. و الهزل داخل فى هذا الصنف, و كثير من الملابس و المساكن و الهيآت التى يعجب منها. و فى هذا الصنف يعد حسن الحديث, و حفظ الاخبار و الامثال و الاشعار.
[ و الرابع] و منها ما يقصد به الكمال فقط, فان عرض فيه بعض هذه فبالعرض. و هى الفضايل الفكريه, و هى العلوم, و العقل الذى يذكره ارسطو فى السادسه, و ما جانس هذه, كصواب المشوره, وجوده الاستنباط. و بعض الصنايع داخله فى هذه و سنلخصها بعد هذا. و الفضايل الشكليه, كالسخإ و النجده و الالفه الالف و حسن المعاشره و الرفق و التودد و الامانه, و الفضايل المظنونه, كاليسار و افراط الغيره و الانفه. و يدخل فى هذه ساير ما ذكرناه فى الصنف الاول. و هذه قد يقصد منها ان تولد فى النفس خشوعا فتعقبه الكرامه, و ساير الخيرات الخارجيه. و قد لايقصد منها شىء إصلا, سوى إن الانسان يهوى ان يفعل هذا الافعال, فيحصل عنها كمال صورته الروحانيه و اما ان يقصد بها ما عدا الصوره الروحانيه, فانما يفعل هذه الافعال حيث يعلم بها إو يظن انه يعلم ذلك. و ما كان العلم به اكثر كان فعله له اقوى و اتم. و حيث لايظن انه يعلم فانه لايفعلها, فان فعل شيئا منها فبعسر إو غفله. و ما كان من هذه صادقا, فلا اسم له, و ما كان من هذه بالعرض, او كاذبا يسمى الريإ و بالجمله فانما يقصد منه صاحبه الانفعال. و من يفعل هذه لاجل الانفعال فعمله شوفى ـ ان طلب منه الكرامه او غيرها ـ او يجرى مجرى الشوقى, ان طلب منها الخشوع, و ان يظن به الكمال. فاما الاول, فلااسم له, لكن يعرف باسم الجنس, و هو العمل الفاضل, و على طريق الفضيله, و هاولاى هم الذين اجرهم على الله. و فى هذه الاصناف الحديث الصحيح: ((من كانت هجرته الى الله, فهجرته الى الله, و من كانت هجرته لدنيا يصيبها, او امرإه ينكحها, فهجرته لما هاجر اليه)) و بالجمله, فالاجر على ما جإ فى صحيح الحديث: ((انما الاعمال بالنيات و لكل امرىء ما نوى)).
و منها الافعال التى ينال بها كمال الصوره التى فى الذكر و هذه موثره لذاتها, عند اكثر الناس, حتى ان إكثرهم يظن آنهاالسعاده, لاسيما متى ازدوجت مع تلك, و كانت صادقه. و العرب ترى فى الذكر خاصه ما لايراه كثير من الامم, و لذلك قال الشاعر:
اما وى ان المال غاد و رايح
ويبقى من المال الاحاديث و الذكر
و يرون ان الذكر هو بقإ المذكور, و لذلك يقول الشعار: ((ذكر الفتى عمره الثانى)).
و لذلك قالت بنت هرم بن سنان لبنت زهير الشاعر: ((اعطيناكم ما يبلى, و اعطيتمونا ما يبقى)).
و الاخبار و الاشعار فى ذلك كثيره جدا ذايعه و هذه الافعال هى فى بعض السير اخفى و فى بعضها اكثر.
و هى تنال ـ اكثر ذلك و إتم ـ بالافعال التى عددت فى القوه الذاكره. و الثانيه الرسم الموجود فى القوه الخياليه. و اما التى فى الحس المشترك, فاما ان لاينال بها, او ينال قليلا بها جدا. و إما جميع الافعال الجسمانيه, فكلها ينال بها المذمه, و لكن ليس ينال بجميع تلك الافعال بذاتها, اذ تلك الافعال تنال بها الصوره التى فى القوه الخياليه. و انما ينال بها فى الذاكره, بان يقترن اليها شىء آخر, و ذلك اما إن تكون سيره الامه حفظ الاقاويل الموزونه, فيصف الشاعر ذلك, و يتداوله الناس, و ذلك مثل ما فعل المحلبى بالاعشى الشاعر. و اما ان يكون الفعل غريبا معجبا, فيتداوله الناس لاعجابه, و بالجمله بان يقترن به انفعال عند ذكره, فيستظرف الناس من ذلك الخبر به, فيتوارثه الاعقاب. و مثله ما يكون باتقان افعال المتقن, كصانع و كبان ايوان المداين, و اصنام الخالديات. و فى هذا الصنف يدخل اكثر التواليف و الاشعار و الخطب.
و اما ما يقصده الشاعر, فلامدخل له فى العمل الفاضل, و انما هو شوقى, إو يجرى مجرى الشوقى. و إما الامر الغريب, و المعجب نوعه, إو قدره, إو مإتاه, فقد يصنعه الافاضل ـ لالينالوا به الذكر ـ بل لاجل كمال العمل. و لما كان شايعا عند كبار الانفس, و عند المتسإهلين لتدبير المدن, و كان كثيرا, صار بهاولاى فى التدبير. لذلك جإ فيه من الوعيد مثل ما جإ فى افعال النقائص, كالريإ, و كالافعال الجسمانيه. فلذلك ما جإ فى الحديث لمن قصد السمعه و فى الزبور: ((من قصد السمعه, امر الله تلك السمعه التى قصدها ان تصير حيه من نار)). و الاحاديث التى حدثت عنه: ((يخلق عقارب فيلدغ كل واحد منها صاحبه, ثم تتقيإ سمومها, فتمتزج باللعنه, و يستقاها قاصد السمعه)).
و كما يوجد فعل فى هذه القوه يختص بفاضل الذكر, كذلك يوجد إيضا انفعال يختص به الفاضل فى ذلك, فتبقى صورته الروحانيه التى فى الذكر مده إطول من تلك, و يكون ذكره فيها اكثر. و هذا ليس بفعل انسانى, و لايعتمد فيه صاحبه اكثر من الصدق, و ذلك يكون فى غير ذى الذكر. و انما يكون ذلك ـ كما بينه ارسطو فى الثانيه من الحس ـ باجتماع القوى الثلاث, فيظهر لصاحبه الصدق, و لايمكن ان تجتمع كلها و تكذب. و اجتماعها ليس محدودا, و لايكاد الانسان يشعر بها, و لذلك الحق كثير على الالسن ترداده, طويل بقاوه. و الذكر الكاذب يهلك بعينه, سريع امحاوه, قليل على الالسن ترداده, فاما كيف ذلك فسنقول فيه بعد هذا.
و اما الافعال التى تحصل للروحانيه العامه, و هى اكمل هذه الروحانيات على الاطلاق, كإنها التخوم بين هذه الممتزجه بالجسميه, ان قيل لهذا الصنف امتزاج, و بين الروحانيه المطلقه, و هى كثيره, كالتعليم, و الاستنباط, و ما جانس ذلك, فانا نرجىء القول فيها فى آخر الكتاب.

فصل:

من الناس من تغلب عليه الجسمانيه فقط, و هاولإ هم إخس الناس. و منهم من تغلب عليه الروحانيه اللطيفه جدا. و منهم من يوجد فيه كل واحده من هذه. و هذه تختلف بالاكثر و الاقل. و الصنفان الاولان قليلا الوجود, الا ان الجسمانى اكثر, و اما الطرف الاخر ـ و هو الروحانى الاكمل ـ فإقل وجودا. و فى هذا الصنف يعد اويس القرنى و ابراهيم بن ادهم ـ فاما هرمس, فانه الطرف الاقصى من هذا الصنف, على ما يقوله ارسطو فى كتاب نيقوماخيا. و هذا الصنف يختلف بالاقل و الاكثر, و ذلك بان يقترن به ساير تلك, او يكون عمله باحدها او ببعضها. فلذلك يوجد فى هذا الصنف طرفان متقابلان, لايطلق على احدهما الخسه. بل تقال بتقييد, و يطلق على الاخر الشرف, فيقال منفردا دون تقييد. فاما الاخس فهو ان يفعل الفعل الذى نحو الصوره الروحانيه, غير انه لايفعل ذلك الا عندما لايقطع به عن الافعال الجمسانيه تصوير, فيفعل ذلك. فهو خسيس بهذا الاعتبار, شريف بما يحصل بصورته الروحانيه. و المقابل له هو الذى لايفعل من الافعال الجسمانيه الا ما لايقطع به عن الافعال الروحانيه. فإن قطع فيكون الفعل الروحانى قليلا جدا, و الفعل الجسمانى عظيم جدا. و هذا الطبع مما يمدح به و لذلك قال الشاعر: ((إبوا إن يفروا و القنا فى نحور هم)) ثم قال: ((و لو إنهم فروا لعاشوا إعزه)).
و هذا الصنف شإنه الازدرإ بالافعال الجسمانيه, و شإنه الحمل على جسمه بالصبر على العرى و الجوع, و تكلف الاعمال الشاقه فى ذلك الفعل الذى شإنه ان تجمل عنه صورته الروحانيه, و قد شوهد من هذا الصنف جماعه و التعلم و التعليم و المثابره على العلوم داخله فى هذا الصنف. و الصوفيه, اما فى الحقيقه, فداخله فى الصنف و اما بحسب مقصودهم الذى يعتمدونه, فداخله فى الروحانيه العامه التى هى كمال الناطقه. و سنقول فى ذلك اذا انتهينا اليه ان شإ الله.

فصل:

قد تقدمنا و لخصنا قبل ان جميع الافعال الروحانيه هى اما شوقيه, او تجرى مجرى الشوقى. و ذلك إن تطلب بها الغايه التى شإنها ان تقترن بغايتها الذاتيه, و تلزمها, فهى غايه بالعرض. و هذه شوقيه او تجرى مجرى الشوقيه كمن يطلب بكمال الصوره الروحانيه المتخيله, او التى فى الذاكره الكرامه و السمعه, اما ليكبر, او لينال بها جزإ من الخيرات الخارجيه. و منهم من يفعل ذلك الفعل لالشىء سوى انه خير و جميل; فلذلك يفعله, حيث يعلم, و حيث لايعلم. و يختص هذا الصنف بالتإلم, ان ذكر له فعله ذلك إو مدح به. و هذا الصنف لايكون منانا و لافخورا, بل ان اضطر الى ذكره, فلا على جهه الفخر. فلذلك قال النبى صلى الله عليه و سلم: ((انا سيد ولد آدم)) و لافخر, و انما كان اخبار نفسه بالصفه الموجوده له, و اخباره بذلك, كاخباره بساير صفاته الموجوده له التى لايعتقد فيمن يصف نفسه بها انه يفخر, كما يقول الانسان ((انا اليوم صحيح)) و ما جانس ذلك.
و اما الشوقى فهو منان فى الاكثر, و يحب ان تذكر له افعاله الجميله. فالشوقى غايته الامر الخارج, فان لم ينله ذهب عمله باطلا. و اما الفاضل فتحصل له غايه لم يعتمدها, و اكثر الناس لايعلمونها فضلا عن إن يعتمدوها. فلايعلم ذلك الا حكمإ الطبائعيين, و الحكمإ بحكمه الاخلاق فقط. و يحصل له ما اراده إولئك, و اعتمدوا فيه على انه ربح زايد على الغايه الذاتيه, الى ساير ما عدد قبل هذا. و هذه كلها مواهب الهيه. و عملهم ذلك كالاغتذإ بالموافق الذى يغتذى به الاصحإ. و ان لم يعلم ذلك الصحيح ان ذلك يوافقه فتحصل الصحه, و هو لم يعتمدها الى ساير ما يحصل له من الارباح. و كما ان الصحه انما تحصل للفاضل الشهوه ـ اعتمدها ام يعتمدها ـ كذلك هذه الروحانيه المحضه الشريفه انما تحصل للفاضل الخلق, سوإ اعتمدها ام لم يعتمدها. و كما ان الشهوه انما تكون فاضله اذا ارادت الافعال التى تفيد بالذات الصحه, كذلك الخلق الفاضل انما يصير به روحانيا بإن يكون عنه الفعل الذى يحصل له عنه بالذات هذه الروحانيه. و كلاهما موهبه الهيه, يخص الله تعالى بها من يشإ من خلقه, و ليس للانسان فى ذلك حظ فان المال قد يرزقه الله الانسان على يدى انسان آخر, فيكون لذلك الانسان فى ذلك الفعل نصيب. فلذلك يوصف الانسان بانه منعم بالمال و كذلك ساير المواهب التى ليست الهيه. فاما المواهب الالهيه فهى ما لايمكن ان يكون الانسان سببا لها, و هذه منها, و هى و ان لم تكن اجلها, فليست بإخسها بل هى متاخمه الجليله. و سنقول فى ترتيب هذه المواهب فى الشرف و الخسه فى القول فى الناطقه.

فصل:

و اما الطبيعيه فمنها بالعرض, و يجرى مجرى الضرورى الذى لا اختيار لذى الروحانيه فيه, مثل شرف الابإ. و منها ما بالذات, فمنها المشتركه, و منها الانسانيه. فاما المشتركه, كحب الابإ للاولاد, فانهم يحبون صور الاولاد الروحانيه, فان الام و الاب ـ سوإ كان حيوانا غير ناطق إو انسانا ـ اذا غاب عنه ابنه غيبه لايدرك بها الصوره التى عنده اطرحه, و ان تشابه عليه غيره حتى يدرك منه تلك الصوره إحبه. و لو إحب الجسمانيه ما إمكن ان يحب غير ابنه. و ذلك بين فى الابل و عطفها على إلبو, الذى يتخذه العرب, ليدر عليه. و هذه الصوره بها تمام اولاد الحيوان الكامل و ما يجرى مجراه, كالمرضعات من الاولاد و كالبيض عند التحضين. فهذه الاحوال التى للصور الروحانيه هى للاولاد, ما داموا لم يقدروا على الغذإ. و اما اذا قدروا على الغدإ, فما بعد ذلك هى انسانيه فقط, اللهم الا ما يحكيه قوم عن الفرس, انه لاينكح امه. و اما ساير ما للقرابه فكلها انسانى, و اكثرها بالوضع و الشريعه. و قد قيل فى هذه الاحوال المقدار الكافى فى الخامسه من سياسه فلاطن.

فصل:

فإما الاحوال التى توجد للصور الروحانيه الخاصه, من حيث لها النسب العامه, فانا نقول فيها كما قلنا فى الافعال الانسانيه. و الروحانيه الخاصه, من حيث لها النسب العامه, هى اما احساسات, و اما خيالات. و بهذه الصور يتحرك الحيوان حركاته الخاصه به, و قد تبين كيف ذلك فى مواضع شتى. و لذلك كل متحرك من تلقائه حساس, و كل حساس متحرك من تلقائه. و اما الاجرام المستديره فليست متحركه من تلقائها الا على طريق النسبه; اذ ليس لها إن تقف. فان كل متحرك من تلقائه يسكن من تلقائه, و انما تشترك تلك الاجسام و الحيوان فى انها مولفه من المحرك و المتحرك, و تفترق بغير ذلك.
و قصدنا فيما نحن بسبيله الامور التى تنسب الى الانسان. و الانسان له احوال يشتمل عليها, توجد له بسبها إفعال قوى ما, و احوال إخر توجدها افعال قوى إخر, و تتحدد هذه الاحوال بإجرام العمر. فالاول من تلك يوجد له فى سن الطفوله, ذلك من وضعه الى ان يتحرك بجمله جسده الى ما يشتهيه. فانه ما دام كذلك فانما يفعل عن النفس الغاذيه. و إما ما يوجد له من الحركه و التغير, فليس محصورا, و لاالقول فيه فى هذا النحو الذى نقصد و نتحرى. و اما حاله, من وقت يتحرك الى ما يشتهيه, الى وقت توجد له فيه الرويه, فلا اسم له يخصه فى لسان العرب متعاطى. اللهم الا إن يكون ذلك عند إهل العلم بغريب اللسان, فلننقل اليه اسم اقرب الاسنان اليه و هو اليفعه. و بين انه فى هذا الوقت من العمر حيوان فقط; فانه انما يفعل عن النفس البهيميه فقط. و اما من لدن تنشإ فيه الرويه, فعند ذلك هو انسان بالاطلاق و مكتف بنفسه ليس به ضروره الى من يكفله.
و إما فى السنين المتقدمه, فان السن الاولى, فالصور الروحانيه موجوده فيها بهذه الحال بالطبع, لكل من يكتفل ابنه. و اما السن الثانيه فقد يوجد لبعضها ايضا بعض فى هذا الزمان, كالدجاج و القبج. و اما تمام المده, فللانسان خاصه; اذ سن الحيوان غيرالناطق لاينقسم بالرويه, بل انما ينقسم بإحوال إخر. و قد قيل كيف يكون ذلك فى كتاب إخبار الحيوان, و ذلك فى المقالات العشر من كتاب الحيوان. و اما السن الثالثه فهى بالوضع, و لذلك لم تلزم بعض الشرايع كفاله الاولاد فيها. و الحال الموجوده معها, لصور الاولاد الروحانيه, فحال إخرى, و محبه إحرى بها ان تكون بالوضع, و للطبع الانسانى فيها مدخل ما. و هذه تختلف بحسب السير, كسيره الجماعه, فان الاولاد فيها إحب منهم فى ساير السير للتعاون على حفظ المنازل, و ذلك بين فى العرب و البربر. و فى هذه السير تقع العقوق, و يوجد كثيرا. و إما فى باقى الاسنان كسن الكهوله, و سن الشيخ, و سن الهرم, فان الصور الروحانيه تختلف فيها كلها. و تلخيص ذلك سهل لمن تفرغ فى النظر فيه.
و لذلك متى كان ذو سن ما, و لايفعل إفعال القوى المنسوبه لذلك السن, فانما هو فى إلسن الاولى, لم ينفصل عنها. فانه ان نقصته القوى فذلك نقص فى الطبع, مثل المعتوهين. و اما ان توجد له القوى, و لايفعل عنها, فذلك إيضا معتوه, و لكن دون ذلك الاول. و اما ان يفعل عنها غير انه يقصد الامور التى كان يقصدها فى السن الاولى, و يستخدم القوى المستجده فى تجويد افعال تلك القوى, فهو بهيمى, لافرق بينه و بين البهيميه. غير انه يفعل فعل تلك البهيمه اكثر إو إجود بالرويه. و بين إن كل حال فى سن ما فهى توطيه لما بعدها, و خادم لها. فاذا فعل ذلك, فقد صير التوطيه غايه, و الغايه كالتوطيه, و الرئيس مروسا, و المرووس رئيسا. و لذلك يقول ارسطو فى المقاله الاولى من نيقوماخيا ((إن النقص ليس من قبل السن إو مقابله من قبل العاده, و الخلق)); و لذلك يستقبح على الشيخ التصابى, لتباعد ما بين السنين, اذ بينهما سن الكهل. و لذلك يستحسن من المحتكمين لللعب اللعب بالسلاح, لانه مجال للجد يستحسن من الباب المرح و الهزل, لانه اول افعال الرويه اذ ذلك متوسط بين اللعب والجد, و من الكهول البر و التودد, اذ ذلك هو الجد الذى فى المرح و الهزل. و يستحسن من الشيخ جوده الرإى, وجوده المشوره و الحكمه و العقل. و بالجمله, فالفضايل المنطقيه. فلذلك لايكاد يوصف[ الشاب] بالذكإ و الذهن; فانهما انما يحتاجان لتحصيل الامور النطقيه. و الشيخ اذا كان على الحال الطبيعى, فقد حصل ذلك. بل ذلك للشاب, و كذلك جوده الفكر للكهوله, و حسن الرويه[ للشيخ] فان الشيخ يجب إن يكون عنده بالفعل الغايات مفروغا منها.
و اما سن الهرم فى الاولين, فهو منها بحال نظيره للسنين المتقدمين. لانه فى الاولين ليس انسانا بالاطلاق, بل انسانا ينشإ, و فى هذه السن انسان يبلى. و لذلك يجب ان يوجد له الحكمه فقط, و هذا هو اللايق به. و لذلك يجعل سقراط صاحب هذه السن ـ اذا كان حكميا ـ فى جزله السعدإ, و اما الذى نعنى بهذه الجزله; فتلخصه فى صناعه تدبير المدن. و كذلك متى وجد بعض هذه الاحوال فى السن المتقدمه قبلها ـ لاسيما متى كان فى السن البعيده منها ـ مثل إن يوجد الوقار و البر و التودد. و ابعد من ذلك المشوره فى الصبى, فان ذلك اما عن نقص فى الطبع, مثل ما قد شوهد ذلك. فمتى تطاول السن به نقص, و خمد اسرع من خمود نار ابوقليطس. و اما عن مثل ما يوجد فى هذا الوقت من اولاد المترفين, و اولاد ذوى الاحساب. و بين انهم يظهرون ذلك من غير إن يكونوا اهلا له, و هذا اذا اتفق إن يكون يظن به الفضيله, و يتقبل فى المدينه كان اعظم اسباب الفساد فيها قوه, إى مدينه كانت من المدن الاربع. فان الاماميه لايمكن ذلك فيها اصلا و اكثر ما يكون فى مدينه المال, ثم فى المدينه الجماعيه, ثم[ مدينه] التغلب.

1. مشخصات كتاب شناختى آثار مذكور از اين قرار است:
دائره المعارف بزرگ اسلامى (تهران: 1369) ج3, عنوان ابن باجه; ابن باجه اندلسى, تدبير المتوحد, تحقيق و تقديم: دكتر معن زياده, (بيروت: دارالفكر الاسلاميه و دارالفكر, 1398 ق.); سيد محمد خاتمى, آيين و انديشه در دام خود كامگى (تهران: طرح نو, 1378).